فن المواجهة الفعالة: كيف تواجه بدون قلق

في هذه المقالة

نمر في حياتنا اليومية بالعديد من المواقف التي نرى فيها سلوكيات وأقوال وأفعال قد لا تكون هي الأفضل دائماً، لكن الكثير من هذه المواقف، ربما أكثرها يمر بدون اتخاذ موقف إيجابي تجاهها في صورة المواجهة. الواقع أن أكثر الناس لا يحبون سماع إلا الجانب الجيد عن أنفسهم، ويفرون من سماع ما قد يبدو عيباً فيهم. لكن ليس هذا هو المثير للاهتمام، بل الأكثر إثارة هو أن أكثر الناس يجتنبون تحديث الآخرين بما قد يبدو عيباً أو نقصاً فيهم، أو يلجؤون لسبل ملتوية تُبعدهم عن مواجهتهم قدر الإمكان، مثل الصمت التام، أو إرسال تعليق عن طريق واسطة، أو التلميح البعيد جداً، أو الاكتفاء بالثناء المطلق، أو حتى الكذب!

هناك أسباب عديدة وراء هذه الظاهرة، منها الخوف من إيذاء الآخرين، ومنها الخوف من رد فعلهم، ومنها عدم وجود القوة النفسية الكافية لإخبار الآخرين بما قد لا يرغبون في سماعه، وأسباب أخرى كثيرة. لكن الذي يعنينا في هذه المقالة هو إبراز كيفية مواجهة الآخرين بشكل صحيّ وبنّاء يُعَظم استفادتهم من هذه المواجهة، ويقلل احتمالية طروء مشاعر غير مفيدة

لماذا نحتاج إلى المواجهة الفعالة؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، نحتاج لأن نسأل: لماذا المواجهة أصلاً؟ لماذا نُخبر الآخرين بما لا يرغبون في سماعه، أو بما يتلافى الآخرون إخبارهم به؟

والجواب ببساطة لأن هذا يُساعده على الارتقاء، بالتخلص من عيب أو باستكمال نقص أو بتصحيح خطأ. وفي الحديث الشريف: “المؤمن مرآة أخيه”. ولأن النفس قد تفر أحياناً من رؤية ما يعيبها وتحجبه عن عين عقل صاحبها، لهذا يحتاج الواحد منا دائماً لمن يُبَصِّره بعيوبه، حتى وإن لم يكن هذا موافقاً لهوى نفسه. وقد كان الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: “رحم الله من أهدى إلي عيوبي”

لكن مواجهة الآخرين بما قد يكون نقصاً فيهم قد يؤدي إلى إثارة مشاعرهم بشكل سلبي، وقد يؤدي هذا إلى ردود أفعال غير مرغوب فيها، أو على أقل تقدير إلى عدم قبولهم الكلام أو انسحابهم من المواجهة. لهذا فالمطلوب هو المواجهة الفعالة البناءة التي تحقق الغرض المطلوب من غير تسببٍ في شيء مما سبق

كيفية المواجهة الفعالة

لكي تواجه الآخرين بفاعلية وبشكل يخدم مصلحتهم، ويقلل من احتمالية حدوث مشاعر غير مرغوب فيها، إليك بعض الخطوات المفيدة والفعالة…

استحضر نيتك قبل المواجهة

دائماً تذكر أن هدفك هو مساعدة الآخرين على الارتقاء، وليس اللوم، أو الانتقاد لمجرد الانتقاد، أو التشكيك في نيتهم أو مصداقيتهم، أو الحكم عليهم وتوبيخهم. استحضارك نية المساعدة الصافية، مع الحرص والرغبة في الارتقاء المتبادل، يُساعدك على تحقيق الهدوء والرفق المناسبين لإخبار الآخرين بشيء لا يرغبون في سماعه

اختر الظرف المناسب

تَعمَّدْني بنُصحِكَ في انفِرادِي *** وجَنِّبْني النَّصيحَةَ فِي الجَماعَة
فإنَّ النُّصح بَيْنَ الناسِ نَوعٌ *** مِن التَّوْبيخ لا أرْضَى اسْتِماعَه
وإنْ خالَفتَني وعَصيتَ قَوْلي *** فلا تَجزعْ إذا لَم تُعْطَ طاعَة

الإمام الشافعي

قد يتقبل المرء الكلام في وقتٍ دون وقت، وفي ظرف دون ظرف، وفي حالة دون حالة. والمواجهة بطبيعتها ليستْ سارّة، لهذا تحتاج لاختيار الظرف المناسب. إليك بعض الاقتراحات

  • حاول أداء المواجهة على انفراد تجنباً لإحراج من تواجهه
  • اختر وقتاً يكون الشخص فيه في حالة جيدة تسمح له بتقبل الكلام، واجتنب أوقات شدة الغضب، العصبية، والحزن الشديد
  • مواجهة الشخص في وقت الحدث أفضل من تأجيلها لوقت تُنسى فيه التفاصيل. فمثلاً عند مواجهة صديق بخصوص أسلوب كلامه غير اللائق في حق طرف ثالث من وجهة نظرك، فالمواجهة الفورية (على انفراد) أفضل من تأجيلها

أنشئ سياقاً من الألفة أولاً

كما أن المرء قد يقبل المواجهة في ظرف دون ظرف، فإنه كذلك قد يقبلها من شخص دون شخص. فكلما كانت الألفة والود قائمين كلما كان أكثر استعداداً للقبول. وقد يُتصور أن هذا محصور بين الأصدقاء والمعارف القدامى فحسب، وهذا غير صحيح. فيمكن بناء الألفة سريعاً مع شخص تلقاه لأول مرة بالابتسام، وتقديم السلام بشكل مكسو بالود، وربما المصافحة إن سمح السياق بها، وبالبدء بملحوظة فيها مدح أو ثناء للشخص، كل هذا يضع إطاراً من المودة والألفة يُلَطفان من أثر ما سيأتي بعدهما بشكل كبير

مهِّد للمواجهة الفعالة

قد يكون للمفاجأة أثر صادم مطلوب أحياناً، لكن مفاجأة شخص بمواجهة بأمر قد لا يرغب في سماعه ربما أدت إلى إغلاقه قنوات الاستماع، وربما إلى رد فعل غير متوقع، وربما حمل كلامك على معنى لم تقصده، كالنقد السلبي أو التعنيف أو تصيد الأخطاء. يلعب التمهيد دوراً أساسياً في وضع المواجهة في إطارها الصحيح، ويجنب سوء الفهم بدرجة كبيرة، كما أنه يُلَطف الرسالة بدرجة تجعلها أقرب للقبول. من أساليب التمهيد أن تبدأ بتوضيح قصدك وغرضك، مع الإشارة إلى أن ما سيأتي ليس بالضرورة سارًّا، مثل أن تقول: “صديقي فلان، هناك أمر أرغب في أن أقوله لك حرصاً على مصلحتك، ربما لا يكون سارًّا بالضرورة، لكني بالتأكيد ليس لي غرض في إثارة مشاعرك…”

قَدِّم الحقائق بدلاً من الآراء

التفريق بين الحقائق والآراء ضرورة لا غنى عنها. الحقيقة هي الأمر المشاهد أو المسموع الذي يُمكن وصفه مباشرة بأوصاف الحواس الخمسة، أما الرأي فهو تقويمنا وحُكمنا على الحقائق. على سبيل المثال، وصف ارتفاع الصوت وانخفاضه هو وصف للحقيقة، أما تسميته بأنه “صراخ” أو “صوت غاضب” أو ما إلى ذلك فهو وصف حُكمي

تكمن أهمية هذه التفرقة في أن غالباً ما يظن الواحد منا أن رأيه هو الحقيقة، في حين إن رأيه هو “ترجمتُه” للحقيقة، فعند مواجهة الآخر بالرأي الشخصي يكون هذا مدعاة لرفضه

إن من أساسيات المواجهة الفعالة والبنّاءة المواجهة بالحقائق غير القابلة للتكذيب ولا يُختلف عليها بدلاً من الآراء. فعلى سبيل المثال، بدلاً من أن تقول للآخر: “لقد خاطبت زوجتك بأسلوب سيء”، قل له: “لقد لاحظتُ أنك رفعتَ صوتَك عليها واستعملتَ ألفاظ [كذا وكذا…]”، وبدلاً من أن تقول له: “تبدو في هيئة رثة اليوم” قل: “أرى ثيابك متكسرة وعليها بعض البُقع”، وبدلاً من أن تقول: إنكِ ثرثارة” قل: “لقد استمعتُ إليك خمس دقائق كاملة بدون انقطاع”، وهكذا

انسب آراءك لنفسك ولا تقطع بها

أحياناً يكون من المفيد بيان الرأي الشخصي، خصوصاً عند وجود ما يدعو للاهتمام به، ولكن كيف يمكن المشاركة بالرأي الشخصي من غير إثارة حفيظة الطرف الآخر؟ لتحقيق هذا الغرض عليك أن تنسب آراءك لنفسك، وبشكل يُفهم مُحاورك أنك إنما تشارك بما ترى ولستَ تجعله أمراً مقطوعاً به مفروضاً عليه. فعلى سبيل المثال، بدلاً من أن تقول: “ثيابك غير متناسقة”، يمكنك أن تقول: “أنت تلبس [كذا] مع [كذا]، ورأيي الشخصي أنها غير متناسقة بالنسبة لي”، وبدلاً من أن تقول: “أنت تقول كلاماً متناقضاً” قل: “لقد سمعتُك تقول [كذا] أولاً، ثم بعدها [كذا]، ولا أعرف ما هي وجهة نظرك لكنه يبدو لي متناقضاً، فما رأيك؟”

اختم دائماً بسؤال

اختم العبارة التي تواجه بها الآخر بسؤال كما في المثال السابق. هذا يحقق عدة أهداف:

  • السؤال بطبيعته لا يُمكن نَفيُه ولا تخطئتُه، خلافاً للجملة الخبرية، وهو ما يسمح
  • السؤال يقوم بتلطيف العبارة
  • السؤال يوحي بالتردد بدلاً من الحسم الذي قد يؤدي للرفض
  • السؤال يفتح مجالاً للتفكير، فالعقل لا يكاد يستطيع مقاومة الغوص في أفكاره بحثاً عن إجابة عن الأسئلة الموجهة إليه
  • السؤال يُعطي للآخر فرصة لتبني الإجابة بنفسه، بدلاً من تلقيها كتوجيه خارجي
tagquestions1

لا تنتظر رد فعل إيجابي دائماً

رغم محاولات التلطيف، واستعمال ما يمكن من وسائل التواصل والمواجهة الفعالة، يبقى دائماً احتمال (ولو كان ضئيلاً) أن لا يتقبل الطرف الآخر الكلام بشكل جيد. فالتواصل عملية ثنائية الطرف، وأنت لا تعرف أبداً كيف سيستقبل الآخر كلامك، فينبغي أن لا تبني حساباتك على رد فعله، بل على فعلك أنت، وأن دورك هو تقديم النصيحة وليس استجابة المنصوح

المواجهة الفعالة في سياق الكوتشينج

المواجهة من الفنون الأساسية في عملية الكوتشينج. فمن واجبات الكوتش أن يكون مرآة للعميل تُريه عيوبه وتُبَصره بما يغض الطرف عنه. فالكوتش الذي يعتمد على المجاملة ويتغاضى عن نقاط الضعف التي تعوق العميل عن بلوغ أهدافه التي تعاقد معه لتحقيقها لا يكون أبداً فعالاً، بل هذا نوع من الغش للعميل والإبقاء له في منطقة الراحة، والبقاء في منطقة الراحة هو أسهل طريق للفشل والضمور
في مدرسة الميتا-كوتشينج نقوم بتدريب الكوتشز على فنّ المواجهة كواحدة من المهارات الفرعية المتقدمة لمهارة الدعم، إحدى المهارات السبعة الرئيسية، وذلك بغرض إخراج الكوتش نفسه من منطقة الراحة التي اعتادها الكثيرون، منطقة المجاملة والتغاضي عن مناطق التطوير والتحسين. لمعرفة المزيد عن الكوتشينج والميتا-كوتشينج، رجاء مراجعة هذه المقالة

اقرأ المزيد

Share on facebook
Share on twitter
Share on email